الشيخ السبحاني
59
قاعدتان فقهيتان
ولا يخفى ان ما ذكره انما يتم في اضرار المكلف على نفسه ، كما إذا أراد ان يصوم ندبا أو يحج استحبابا مع اضرارهما ، فلا يصح ان يتمسك بالقاعدة في نفى الترخيص فيهما لأنه لا يعد مصدرا للضرر ، بل يستند الاضرار عندئذ إلى نفس المكلف حيث الزم نفسه بما لم يلزمه الشارع به . واما في مورد الاضرار بالغير ، فالقاعدة تعم الحكم الالزامي والاباحي ، فان ترخيص الشارع جواز العبور لصاحب النخل ، حكم ضررى جاء من جانب الشارع ، إذ لولا ترخيصه لما كان لسمرة بن جندب حجة في الاضرار بالجار . وما ذكره من أن الترخيص في شيء غير ملزم بشيء حتى يعد الترخيص ضرريا انما يتم في الاضرار بالنفس ، واما في الاضرار بالغير فربما يكون ذلك الترخيص مبدءا ومصدرا للاضرار كما لا يخفى . والحاصل انه لا فرق بين الالزامي وغيره ، فإذا كان مصدرا للضرر ينفى بالقاعدة سواء كان مورد الاضرار هو النفس أو الغير ولعل مراده - دام ظله - هو الصورة الأولى ، على أن الاضرار بالغير حرام بغير كلام . هذا كله على مشرب القوم في مفاد القاعدة ، من أن المقصود نفي الأحكام الشرعية الضررية . اما على المختار من أن مفادها نفي الضرر المتوجه من شخص إلى آخر ، فقد عرفت ان مفاد الأخبار هو نفيه تكليفا ووضعا . وان الاضرار حرام أولا ، ولا يترتب عليه الأثر ثانيا . غير أن هذا المطلب لا يصح إلّا إذا خلت صفحة التشريع عن أي حكم يسوغ الاضرار بالغير ، سواء كان ذلك الحكم وجوبا أم إباحة ، لما قلنا من أن الاخبار عن عدم اضرار الناس ، بعضهم ببعض ، بعناية عدم تصويبه تكليفا ووضعا ، لا يتم إلّا بخلو صفحة التشريع عن اي حكم يمكن ان يقع ذريعة للاضرار